تصعيد إسرائيلي واسع لفرض حسم ملف السلاح

تصعيد إسرائيلي واسع لفرض حسم ملف السلاح

 

 

نستراك - عاد المشهد اللبناني إلى واجهة التصعيد مع الغارات التي نفذتها إسرائيل على عدة مناطق في جنوب لبنان ووصلت إلى أطراف مدينة صيدا. وهذا لا يُمكن اعتباره إلا حلقةً كثيفة الدلالات في سلسلة ضغط عسكري إسرائيلي متدرّج ومحسوب الإيقاع، وضغط سياسي دولي متصاعد عنوانه المركزي هو سلاح حزب الله. هذا الوضع الحسّاس يتزامن مع استحقاقات لبنانية رسمية تتصل مباشرة بملف حصر السلاح وبسط سلطة الدولة جنوب وشمال الليطاني، وأيضاً اجتماعات آليات مراقبة وقف إطلاق النار أو كما يسميها بعض الإعلام "ميكانيزم".

ماذا تقول الوقائع الموثوقة خلال اليومين الأخيرين؟

من حيث الحدث العسكري، باشرت إسرائيل موجة غارات بعد أوامر إخلاء وجهتها لقرى في الجنوب، مع إعلان استهداف ما تصفه تل أبيب ببنى تحتية عسكرية تعود لـحزب الله وحركة حماس. وفي التفاصيل، أشارت رويترز إلى أن إسرائيل وجهت الضربات بعد إنذارات إخلاء في أربع بلدات. هذه الغارات هي جزء توتر متجدد رغم وقف إطلاق النار الذي أُبرم عام 2024.

أما من حيث اتساع رقعة الضربات وتوقيتها، فقد ذكرت وكالة أسوشيتدبرس عن ضربات طالت مناطق جنوبية وشرقية، بينها أطراف صيدا، حيث أدى قصف فجر الثلاثاء إلى تدمير مبنى تجاري، مع إصابة مدني. ولفتت الوكالة إلى أن هذه الضربات تأتي قبيل اجتماع لبناني حكومي بحضور قائد الجيش، يوم الخميس، حيث يُفترض أن يناقش ملف نزع السلاح، بما يعزز قراءة الغارات على أنه رسالة سياسية لمن يهمّه الأمر.

ما تناقله الإعلام من غارات وسبقها إنذارات وإخلاءات، إضافة الى اجتماعات مهمة، تجعل الحدث أبعد من جولة روتينية، بل هي أقرب إلى مرحلة اختبار حول قدرة الدولة اللبنانية على ترجمة تعهدات بسط السلطة إلى وقائع، في المقلب الآخر، هل تستثمر إسرائيل كعادتها في لحظات الضغط لتوسيع عملياتها المحسوبة من حيث المبدأ دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة؟

ما الذي يريد الإسرائيليون قوله عملياً؟

المعطيات المتداولة عن نوايا إسرائيلي في تنفيذ غارات مركّزة  وانزالات محدودة لاستهداف منشآت يصعب تدميرها جوّاً، وعن تركيز على مصانع المسيّرات والصواريخ الدقيقة، تنسجم كلها مع نمط الحروب التي تفضلها إسرائيل؛  ضربات نوعية تستهدف قدرات التصنيع والتخزين وإعادة البناء، بدل الذهاب إلى اجتياح بري واسع مكلف أو تدمير شامل، وتحقيق هدف بعيد هو رفع سقف الإحراج على الدولة اللبنانية عشية اجتماعات حساسة حول السلاح، ولفرض معادلة مفادها إمّا تقدّم ملموس في نزع السلاح جنوباً، أو استمرار الضربات مع احتمالية توسّعها حسب الضرورة.

من جهة أخرى، نقل موقع “واللا” العبري عن مصادر أمنية إسرائيلية أن أموالاً مستمرة في نقل أموال ووسائل قتالية إلى حزب الله مباشرة أو عبر سوريا، وادعت أن إسرائيل قلقة من هذا الأمر، ونقلته إلى الإدارة الأميركية، وتحدثت أيضاً عن تعاون مزعوم بين حزب الله والجيش اللبناني.

هذا النوع من التسريبات الإسرائيلية ليس جديداً، بل هو أسلوب تستخدمه إسرائيل لتبرير هامش أوسع من العمليات العسكرية أو لبناء "شرعية" ما واستباقية.

يبقى أن نذكّر أن الانزلاق إلى حرب واسعة، لا يحتاج قراراً معلناً بالحرب؛ يكفي خطأ بسيط يرتكبه أحد الأطراف يُضاف إليه هشاشة وقف إطلاق النار، واستمرار الضربات الجوية، وبطء حسم ملف السلاح، لزيادة قابلية الدخول في حرب جديدة، قد لا تكون شاملة ومؤكدة، ولكنها كافية لاستمرار الإرباك في الساحة اللبنانية التي لا يبدو أنه تتجه إلى حالة استقرار دائم في ظل دولة ما زالت متهالكة وتعاني كثيراً من ثغرات في مفاصل قوتها.

ما هي هذه الثغرات، أو قل فجوات خطيرة:

سيادياً وأمنياً: حين تبقى قوة مسلحة كبيرة خارج قرار الدولة، يصبح قرار الحرب والسلم مُجزّأً، وتصبح الدولة مسؤولة أمام الخارج عن أرض لا تملك قرارها الكامل. ويبقى لبنان أسير طرف يدّعي أنه يدافع عن لبنان بمعزل عن الإطار القانوني والشرعي.

استراتيجياً: بقاء السلاح خارج الحصرية يسهّل بقاء لبنان في منطق الساحات، وتحويله إلى حلقة ضعيفة ضمن شبكة الصراعات الإقليمية وتداعياتها السياسية والاقتصادية والأمنية.

اقتصادياً ومالياً: لا اقتصاد يتعافى تحت ظل احتمال تهديدات يومية أو احتمال حصول انفجار أمني في أي لحظة. الاستثمار والسياحة والتجارة تحتاج كلها إلى الأمن والقانون والاستقرار. التصعيد الأخير – حتى لو لم يتحول حرباً – يكفي لرفع كلفة التأمين والمخاطر، ولضرب ما تبقى من ثقة.

داخلياً ومؤسساتياً: عندما تُستثنى قوة من منطق المحاسبة والاحتكار، تتآكل هيبة القانون تدريجياً، ويتحول مفهوم الدولة إلى إدارة خدمات لا وتفقد صفة المرجعية السيادية.  وهذا ينعكس على القضاء، والأمن، والضرائب، والتهريب، والعلاقات الدولية، وخطط ومشاريع التطوير والتحديث، وكل ما يتصل بوظيفة الدولة الحديثة.

 

لبنان اليوم ليس في أمان، لكنه أيضاً ليس في حرب شاملة حتمية. والمؤشرات الأخيرة تقول إننا أمام تصعيد إسرائيلي مقصود سياسياً يهدف إلى الضغط على الدولة اللبنانية في لحظة بحث ملف السلاح وحصره جنوباً، مع محاولة إبقاء العمليات ضمن سقف مضبوط وغير قابل للانفلات. غير أن أخطر ما في الصورة هو أن بقاء سلاح حزب الله خارج أي منطق قانوني، يجعل لبنان دائماً على حافة الهاوية، وسيظل يعيش في منطقة رمادية: لا حرب معلنة، ولا سلام مستقر… بل هدنة هشّة قابلة للكسر عند كل منعطف.